عبد الرحمن بن ناصر السعدي
45
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
الأشياء الحقيرة ، واعترض على اللّه في ذلك ، فليس في ذلك محل اعتراض ، بل هو من تعليم اللّه لعباده ورحمته بهم ، فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر ، ولهذا قال : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ فيفهمونها ، ويتفكرون فيها . فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل ، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم ، وإلا علموا أنها حق ، وما اشتملت عليه حق ، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن اللّه لم يضربها عبثا ، بل لحكمة بالغة ، ونعمة سابغة . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فيعترضون ويتحيرون ، فيزدادون كفرا إلى كفرهم ، كما ازداد المؤمنون ، إيمانا على إيمانهم . ولهذا قال : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ، فهذا حال المؤمنين والكافرين عند نزول تلك الآيات القرآنية . قال تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ( 125 ) ، فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية ، ومع هذا ، تكون لقوم محنة ، وحيرة ، وضلالة ، وزيادة شر إلى شرهم ، ولقوم منحة ، ورحمة ، وزيادة خير إلى خيرهم ، فسبحان من فاوت بين عباده ، وانفرد بالهداية والإضلال . ثم ذكر حكمته وعدله في إضلاله من يضل فقال : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ أي : الخارجين عن طاعة اللّه ؛ المعاندين لرسل اللّه ؛ الّذين صار الفسق وصفهم ، فلا يبغون به بدلا ، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى ، كما اقتضى فضله وحكمته هداية من اتصف بالإيمان ، وتحلى بالأعمال الصالحة . والفسق نوعان : نوع مخرج من الدين ، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان ، كالمذكور في هذه الآية ونحوها ، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الآية . [ 27 ] ثم وصف الفاسقين ، فقال : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ، وهذا يعم العهد الذي بينهم وبين ربهم ؛ والذي بينهم وبين الخلق ؛ الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات ، فلا يبالون بتلك المواثيق ، بل ينقضونها ويتركون أوامره ، ويرتكبون نواهيه ، وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق . وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ، وهذا يدخل في أشياء كثيرة ، فإن اللّه أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به ، والقيام بعبوديته ، وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ، ومحبته ، وتعزيره ، والقيام بحقوقه ، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب ، والأصحاب ، وسائر الخلق بالقيام بحقوقهم التي أمر اللّه أن نصلها . فأما المؤمنون ، فوصلوا ما أمر اللّه به أن يوصل من هذه الحقوق ؛ وقاموا بها أتم القيام ، وأما الفاسقون ، فقطعوها ونبذوها وراء ظهورهم معتاضين عنها بالفسق والقطيعة ، والعمل بالمعاصي ، وهو : الإفساد في الأرض . أُولئِكَ ، أي : من هذه صفته هُمُ الْخاسِرُونَ ، في الدنيا والآخرة ، فحصر الخسارة فيهم ، لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم ، ليس لهم نوع من الربح ؛ لأن كل عمل صالح ، شرطه الإيمان ، فمن لا إيمان له لا عمل له ، وهذا الخسار هو خسار الكفر ، وأما الخسار الذي قد يكون كفرا ، وقد يكون معصية ، وقد يكون تفريطا في ترك مستحب المذكور في قوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) ،